يحذّر كيرت ديفيس جونيور، الزميل غير المقيم في مبادرة سكوكروفت لأمن الشرق الأوسط، من أن سوريا لا تشبه ليبيا في بنيتها الحالية، لكنها قد تنزلق إلى مسار مشابه إذا انسحب المجتمع الدولي في توقيت خاطئ. نشر مركز أتلانتيك كآونسل هذا التحليل في إطار قراءة نقدية لمستقبل الانخراط الأميركي في سوريا، في ظل تراجع الحضور العسكري وتساؤلات متزايدة في واشنطن حول جدوى البقاء.

 

لماذا لا تشبه سوريا ليبيا.. بعد

 

يؤكد الكاتب أن سوريا، بخلاف ليبيا بعد سقوط معمر القذافي عام 2011، لا تخرج من فراغ مؤسسي كامل. حين انهار النظام الليبي، انهارت معه مؤسسات الدولة التي كانت مُفرَّغة أصلاً، وبرزت ميليشيات متنافسة من دون جيش وطني موحد أو جهاز إداري قادر على امتصاص الصدمة.

 

أما سوريا، فرغم الدمار، ما زالت تحتفظ بجهاز إداري قائم وحدود واضحة وبنية دولة مركزية اعتاد عليها المجتمع. يمنح هذا “النواة المؤسسية” فرصة لإعادة التماسك، لكنه لا يوفر حصانة دائمة. إذا تغلّبت مراكز القوى المسلحة على سلطة الدولة، تنشأ سلاسل قيادة موازية، وتتولى ميليشيات مهام الأمن والجباية وتسوية النزاعات، ويتحول الولاء من المؤسسات إلى الرعاة المسلحين. عندها يصبح احتكار الدولة للقوة مجرد شعار.

 

يرى الكاتب أن الفارق بين الحالتين ليس قدراً محتوماً بل مسألة توقيت. تمنح البنية السورية وقتاً لإعادة البناء، لكنها قد تتآكل إذا لم تُدمج التشكيلات المسلحة في إطار وطني موحد قبل ترسخ الانقسام.

 

تنظيم الدولة ضعيف.. لا منتهٍ

 

يشير التحليل إلى أن هزيمة تنظيم الدولة إقليمياً عام 2019 شكّلت إنجازاً عسكرياً، لكنها لم تُنهِ الحركة كلياً. يعمل التنظيم اليوم عبر خلايا متنقلة تستغل الفراغات بين سلطات متنافسة، ويعتمد على الاغتيالات والهجمات المحدودة وابتزاز المجتمعات المحلية بدلاً من السيطرة المباشرة على مدن.

 

تقدم ليبيا مثالاً واضحاً: لم يحتج المتشددون إلى السيطرة على الدولة بأكملها ليبقوا خطراً. كفاهم وجود مساحات مهمّشة وضعف التنسيق الأمني. حتى بعد خسارة سرت، انتشر مقاتلو التنظيم في الجنوب والمناطق الحدودية، واستمر نشاطهم بفضل الانقسام المؤسسي.

 

يواجه شرق سوريا وجنوبها مخاطر مشابهة. لا يحتاج التنظيم إلى استعادة الرقة كي يهدد الاستقرار؛ يكفيه فضاء أمني هش وثغرات غير محسومة بين سلطات متعددة.

 

خطر الانسحاب غير المحسوب

 

يحذّر الكاتب من أن الحروب لا تنتهي لمجرد التعب منها. قد يحظى الانسحاب بشعبية داخلية، خاصة مع إرهاق الرأي العام الأميركي من “الحروب الأبدية”، لكن الخطر يكمن في المغادرة في لحظة خاطئة، حيث يحل الإرهاق محل الاستراتيجية.

 

تظهر استطلاعات رأي حديثة أن نسبة معتبرة من الأميركيين لا ترى في بقاء القوات في سوريا أولوية. تنافس سوريا ملفات أخرى على اهتمام واشنطن، من أوكرانيا إلى الصين والتضخم وأمن الحدود. يخلق ذلك هشاشة سياسية تجعل أي التزام طويل الأمد عرضة للتراجع السريع.

 

تقدم ليبيا درساً تحذيرياً: انسحب المجتمع الدولي قبل ترسيخ مؤسسات قادرة على احتكار القوة، فبرزت حكومات موازية وأجهزة أمنية متنافسة، وتحوّلت الميليشيات إلى فاعلين سياسيين دائمين. لم يؤدِ الانسحاب إلى إنهاء المخاطر، بل نقلها إلى بيئة أقل قدرة على احتوائها.

 

انخراط إقليمي حذر وأوروبا منشغلة

 

لا تقف دول المنطقة على الحياد. تفضّل دول خليجية استقراراً نسبياً على فوضى مستدامة، ولدى تركيا وإسرائيل ودول عربية أخرى مصالح واضحة. لكن أياً منها لا يبدو مستعداً لنشر قوات كبيرة لضمان الأمن السوري. تبقى مشاركتها انتقائية، محكومة بالمصالح ومتناقضة أحياناً.

 

أظهرت ليبيا كيف يحول التنافس الإقليمي دون بناء سلطة وطنية موحدة. دعمت قوى خارجية أطرافاً متنازعة بدل دعم إطار جامع، فترسخ الانقسام. تخشى سوريا مساراً مشابهاً إذا استمرت الجهات الخارجية في العمل عبر وكلاء بدلاً من دعم مؤسسات مركزية.

 

أما أوروبا، فتركّز مواردها منذ الحرب في أوكرانيا على الردع في شرق القارة. كشفت تجربة ليبيا أيضاً محدودية التنسيق الأوروبي، حيث تبنّت دول مواقف متباينة وأولويات مختلفة، ما أضعف القدرة على بلورة استراتيجية موحدة.

 

لا يرى الكاتب أن سوريا قضية خاسرة، بل حالة مشروطة بنتائج القرارات المقبلة. أحرزت البلاد تقدماً نسبياً: تراجع العنف، وبدأت عودة تدريجية لبعض اللاجئين، وظهرت مؤشرات دبلوماسية إيجابية. لكن هذه المكاسب تبقى قابلة للتراجع إذا ترسخ الانقسام أو رُفع الضغط الدولي قبل تثبيت بنية أمنية موحدة.

 

ليست العبرة أن الغرب بقي طويلاً في ليبيا، بل أنه غادر قبل أن تنتقل المسؤولية فعلياً إلى مؤسسات قادرة. يطرح التحليل سؤالاً واضحاً: هل تتعلم واشنطن من دروس الماضي، أم تعيد إنتاجها تحت مسمى مختلف؟

 

www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/syria-is-not-libya-but-it-could-become-one-if-the-world-looks-away/